أخـر الأخبار :

الرئيسية » اقلام ديرتنا » التدليس بين الماضي والحاضر

التاريخ : Tuesday/04-Jun-19
الوقـت   : /20:29:07 

التدليس بين الماضي والحاضر


ديرتنا

التدليس بين الماضي والحاضر

بقلم : د. منصور محمد الهزايمة


بقي أحد الفلاسفة يهاجم التاريخ مدى عمره، وينتقده بشدة، مما أثار فضول الناس من حوله، وعندما سألوه: لمَ كل هذا العداء الذي تكنه للتاريخ؟ أجاب: لذلك قصة، كنت يوما أجلس في بلكونة منزلي، وفجأة، وقع حادث سيارة أمام عيني، بعد ساعات رأيت خبرا في نشرة أخبار التلفزيون المحلي يتناول الحادثة، لكن بصورة مغايرة تماما لما حدث، ويروي تفاصيل مختلقة جذريا، وفي اليوم التالي صدرت الصحف المختلفة تتناول الواقعة برواية أغرب من الأولى، والأدهى أن كل منها نقلها بصورة تختلف كليا عن الأخرى.

إذا كان هذا هو الواقع في زمن وسائل الاعلام الحديثة التي تسجل الحدث بالصوت والصورة، فهل يمكننا أن نتخيل كيف كانت تُنقل الروايات المختلفة للأحداث بين الناس عبر النقل المتواتر وخلال حِقب الزمن المختلفة؟ وكيف يمكن أن نركن تماما إلى ما وصلنا من وصف للأحداث دون أن نُعمل عقولنا فيما وردنا؟ ربما لا توجد أمة تغرق في تاريخها كما هو حال الأمة الإسلامية اليوم، لما نشأ عن التداخل بين الديني والسياسي، فالعودة إلى التاريخ يقع من باب أن ما يحدث في الحاضر، ربما وقع مثله في الماضي، ولهذا نعود إليه لنتعلم العبر والدروس كي نبني عليه في الحاضر والمستقبل، هكذا تفكر الأمم التي تسعى للتطور والتقدم، أمّا في حالنا فقد علقنا في ماضينا ولا نكاد نفلت منه منذ زمن الحسين ويزيد. في البدايات كان تأريخ الاحداث يشبه الأدب القصصي، وله قصدٌ من مقاصد التسلية، لذلك كان يزخر بالشعر والبلاغة والخيال، ويركز على الجوانب التي تسّر الناس، ويتشوقون لسماعها، أمّا الحدث التاريخي نفسه كما وقع، بدقة، وموضوعية، فيبدو أنه كان أخر اهتمامات من تصدّى لنقل هذه الروايات، ولا أدل على ذلك من ربط التاريخ بِسير ذاتية لأفراد، أو أسر تُنسج حولهم قصص البطولات الوهمية، وتحاك عنهم الحكايات الخرافية، في ما يسرده القاص، أو الراوي، لكنها بطبيعة الحال تستهوي المتابعين، وما أدل على ذلك من قصة الزير سالم، أو السيرة الهلالية في تراثنا العربي، أو الالياذة والأوديسا في تاريخ الاغريق، بحيث كان يبلغ شغف الجمهور بهذه القصص أنهم لم يكونوا قادرين على انتظار بقية القصة حتى اليوم التالي، ومن النوادر أن أحدهم ذهب إلى الراوي أخر الليل مهددا ليخبره بما سيحدث لبطل القصة. من يقرأ في التاريخ يرى العجب في رجب، من حيث التفاوت حد التهافت في مبنى الروايات، أو السير، أو الأحداث، أو تغاير الزمان والمكان، لذلك لا حاجة للتأكيد بأن التاريخ كُتب دائما بقلم الغالب أو المنتصر، وبمداد التسلط والاستبداد، حتى أننا نجد أن الأحداث الجسام كالحروب مثلا وسمت بأسماء القادة أو الزعماء، دون النظر لتضحيات الأمة أو الأفراد ومن هنا فإن التاريخ كان أشبه ما يكون بسجل أو سيرة ذاتية تسرد بطولات خرافية وأحداث غير واقعية.

تاريخيا، بقيت مائدة السلطة في بلادنا لا تحتمل المشاركة، وبالتالي كانت الانقلابات أهم طرق تداول السلطة لدينا، بحيث يصاغ التاريخ حسب السلطة القائمة، يتغنى بإنجازاتها دون التعرض لعيوبها، وما أن يحدث الانقلاب عليها، حتى تذهب الحسنات وتبقى السيئات، وطبعا يُضمّن هذا التدليس في مناهج أطفالنا، وربما أبرز مثال على ذلك ما حدث في مصر، عندما تمّ تشويه العهد الملكي لصالح الثورة (الانقلاب) عام 52، وبتنا اليوم نجد الناس تنتقد بشدة عهد الجهو-ملكية العسكرية، وتعيد الاعتبار وتستحضر الحنين لعهد الملكية. اليوم أيضا في ظل تدفق معلوماتي ضخم عبر وسائل التواصل والاعلام، يبدي في ظاهره التنافس على معاينة وجه الحقيقة، لكنه في باطنه يروج للتدليس وقصدية التضليل، من خلال العبث في الخبر بطرق شتى وأساليب حديثة، فوقع الناس في حيرة، كيف وممن يطالعون وجه الحقيقة؟ لكنّ الخطورة هنا تكمن في أننا ندرك أن الثقافة والتعلم العرضي التي يتعرض له أطفالنا مغلف بالكذب والتدليس، دون أن تكون لديهم القدرة على فض الغلاف الزائف. يتعرض البعض اليوم للتاريخ متذرعا بتنقيحه، ممّا قد علق به من شطحات، وهي دعوة ظاهرها الإخلاص، وباطنها يكشف عن سوء الطوية، ومع أنني أقر مبدأ الدعوة لإعادة قراءة التاريخ بصورة واعية، فإن الاعتراض على هؤلاء يأتي من عدة وجوه، منها أن الكثير ممن يتصدون لها لا شأن لهم بالتاريخ كعلم أو تخصص، والوجه الأخر أنهم أظهروا انحيازهم من خلال مهاجمة الشخصيات التاريخية بصورة سوقية، بعيدة عن المهنية، لصالح مناصرة طرف ضد أخر، وبهذا فقدوا المصداقية، ومزايا الباحث الحقيقية، لذلك فأننا نشد على أيدي دعاة البحث النزيه، ونرفض طالبي الشهرة وسالكي درب الابتذال.

كل عام وأنتم بخير

الدوحة-قطر

عدد التعليقات 0

أضف تعليق

اضافة تعليق
الاسم
التعلق